ابن قيم الجوزية
53
الوابل الصيب من الكلم الطيب
وقال تعالى : { فبما رحمة من الله لنت لهم ، ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك } وقال تعالى : { يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم } وفي اثر القلوب آنية الله تعالى في أرضه ، فأحبها إليه وأرقها وأصلبها وأصفاها وبإزاء هذا القلب قلبان مذمومان في طرفي نقيض : أحدهما : قلب حجري قاس لا رحمة فيه ولا إحسان ولا بر ، ولا له صفاء يرى به الحق ، بل هو جبار جاهل : لا علم له بالحق ، ولا رحمة للخلق . وبإزائه قلب ضعيف مائي لا قوة فيه ولا استمساك ، بل يقبل كل صورة ، وليس له قوة حفظ تلك الصور ولا قوة التأثير في غيره ، وكل ما خالطه أثر فيه من قوي وضعيف ، وطيب خبيث . وفي الزجاجة مصباح ، وهو النور الذي في الفتيلة ، وهي حاملته . ولذلك النور مادة ، وهو زيت قد عصر من زيتونة في أعدل الأماكن تصيبها الشمس أول النهار وآخره ، فزيتها من أصفى الزيت وأبعده من الكدر ، حتى إنه ليكاد من صفائه يضيء بلا نار ، فهذه مادة نور المصباح . وكذلك مادة نور المصباح الذي في قلب المؤمن هو من شجرة الوحي التي هي أعظم الأشياء بركة وأبعدها من الانحراف ، بل هي أوسط الأمور وأعدلها وأفضلها ، لم تنحرف انحراف النصرانية ولا انحراف اليهودية ، بل هي وسط بين الطرفين المذمومين في كل شيء ، فهذه مادة مصباح الإيمان في قلب المؤمن . ولما كان ذلك الزيت قد اشتد صفاؤه حتى كاد أن يضيء بنفسه ، ثم خالط النار فاشتدت بها اضاءته وقويت مادة ضوء النار به ، كان ذلك نوراً على نور . وهكذا المؤمن قلبه مضيئ يكاد يعرف الحق بفطرته وعقله ولكن لا مادة له من نفسه ، فجاءت مادة الوحي فباشرت قلبه وخالطت بشاشته فازداد نوراً بالوحي على نوره الذي فطره الله تعالى عليه ، فاجتمع له نور الوحي إلى نور الفطرة ، نور على نور ، فيكاد ينطق بالحق وإن لم يسمع فيه أثر ، ثم يسمع الأثر مطابقاً لما شهدت به فطرته فيكون نوراً على نور ، فهذا شأن المؤمن يدرك الحق بفطرته مجملاً ثم يسمع الأثر جاء به مفصلاً ، فينشأ إيمانه عن شهادة الوحي والفطرة . فليتأمل اللبيب هذه الآية العظيمة ، ومطابقتها لهذه المعاني الشريفة . فذكر سبحانه وتعالى نوره في السماوات والأرض ، ونوره في قلوب عباده المؤمنين ، النور المعقول المشهود بالبصائر والقلوب ، والنور المحسوس المشهود بالأبصار الذي استنارت به أقطار العالم العلوي والسفلي ، فهما نوران عظيمان أحدهما أعظم من الآخر ، وكما أنه إذا فقد أحدهما من مكان أو موضع لم يعش فيه آدمي ولا غيره ، لأن الحيوان إنما يتكون حيث النور ، ومواضع الظلمة التي لا يشرق عليها نور لا